لم يعد هناك في رأيي ما يستدعي التحليل في التطورات السياسية. ما كنا نقوله منذ أشهر على أساس أنه توقعات وتحليلات صار الآن وقائع ملموسة على الأرض، مما يعني أن الأمور تسير في المسار الذي توقعناه.
هيستيريا أميركا وأتباعها بعد الفيتو الروسي ينطبق عليها وصف “رقصة الديك المذبوح”. هي مجرد رقصة عبثية لا تأثير لها ولن توصل إلى شيء.
لقد استعمت إلى ما ورد في الإعلام الغربي والنفطي خلال الأيام الماضية، وكل ما سمعته كان في الحقيقة عبارة عن اجترار لكلام قديم وممجوج لم يعد له تأثير.
تسليح العصابات، طرد السفراء، الاعتراف بمجلس غليون، إلخ… كلها أمور قديمة ولن يكون لها أي تأثير على أرض الواقع سوى أنها ستزيد من أزمة من يقومون بها.
الرد الهيستيري لأتباع أميركا كان واضحا فور استخدام روسيا والصين للفيتو. في البداية أعلنت فرنسا عن تشكيل مجموعة “أصدقاء سورية”، ثم أعلنت تركيا عن عقد مؤتمر حول سورية، وأخيرا خرج حمد وسعود ليتحدثا عن “أربعة خيارات” ستبحث بخصوص سورية.
حمد وسعود حاليا لم يعودا يخيفان أحدا وأنا أشك في أن هناك أحدا يأخذ كلامهما على محمل الجد. أنا أذكر أن هناك نوعا من السحالي يستمر بالحركة بعد قطع رأسه، وفي رأيي أن حمد وسعود حاليا هما شبيهان بهذه السحالي المقطوعة الرأس. هما يتحركان بدون رؤوس، وبالتالي حركتهما لا تقلق أحدا وهي لا تغير حقيقة أنهما انتهيا ولم تعد لهما قيمة.
الشيء الوحيد الذي سمعته خلال الأيام والذي من شأنه أن يضر سورية فعلا هو الكلام عن الحظر الأوروبي على البنك المركزي السوري. هذا الحظر سوف يمنع سورية من التعامل باليورو على ما أعتقد وبالتالي ما سيحدث هو أن أسعار المستوردات سترتفع (بما في ذلك المواد الغذائية والطبية)، ولكن هذا الكلام هو كلام قديم وقبل أشهر ذهب أديب ميالة إلى موسكو واتفق مع الروس على التعامل بالروبل الروسي بدلا من اليورو، أي أن سورية استعدت لهذا الأمر منذ أشهر.
عموما الوضع في سورية الآن متدهور أصلا وهناك كثير من المواد الغذائية والأدوية التي باتت مفقودة من الأسواق، وهذا أمر كان متوقعا. بالنسبة للقوة الشرائية لليرة فهي سوف تستمر بالانخفاض وهذا ما كنت أقصده عندما كنت أقول أن الفقر سوف يزداد. المتوقع في المرحلة القادمة هو أن مداخيل السوريين الحقيقية سوف تنخفض إلى النصف وربما أكثر، وهذا هو الأمر الذي كنت أخشاه وأحذر منه منذ بداية الأزمة.
إفقار سورية هو حاليا هدف أميركا الوحيد. أنا كنت أقول منذ أشهر أن أميركا فقدت الأمل من إسقاط النظام السوري وهي حاليا تعمل لهدف وحيد وهو زيادة إفقار سورية.
الأحداث الأخيرة في مجلس الأمن تثبت وجهة نظري. لو كانت أميركا جادة فعلا في تمرير مشروع قرارها في مجلس الأمن لما كانت أقدمت على طرحه للتصويت وهي تعلم سلفا أن الروس سوف يستخدمون الفيتو ضده. الموقف الروسي كان واضحا جدا وهيلاري كلينتون تحدثت مع لافروف قبل التصويت بساعات قليلة. من المستحيل في رأيي أن أميركا كانت لا تعلم بأن روسيا ستستخدم الفيتو.
أميركا ليست حمد وسعود. أميركا تبني سياستها الخارجية على أسس علمية وهي كانت تعلم منذ البداية أننا سنصل إلى المكان الذي نحن فيه الآن. أنا لا أصدق الخزعبلات التي تقول أن أميركا فوجئت بالموقف الروسي وأنها غاضبة من استخدام روسيا للفيتو. هذا في رأيي كله عبارة عن خزعبلات للاستهلاك الإعلامي.
أميركا –كما قلت منذ البداية وما زلت مصرا على ذلك- تريد الانسحاب من المعركة السورية ولكنها في نفس الوقت تريد استغلال هذه المعركة لإحداث صدام بين محور الممانعة وبين أتباعها في المنطقة. هذا هو ما كنت أقصده عندما قلت أن أميركا تشجع حمد وسعود على الاندفاع نحو الحائط الروسي رغم علمها سلفا بأن قرونهما ستنكسر عليه.
اصطدام حمد وسعود بالحائط الروسي أضر حمد وسعود وأضر روسيا أيضا، ولكن أميركا لم تخسر شيئا يذكر لأنها سحبت نفسها من المواجهة منذ البداية وقالت أن ما يجري هو جهود بناءة. من سمع كلمة هيلاري كلينتون في مجلس الأمن لا بد أنه لاحظ أنها كانت مختلفة تماما عن كلمتي حمد والعربي وأن هدفها كان إظهار تفهم أميركا لمخاوف الأقليات السورية من المعارضة السورية.
بعد الفيتو الروسي الصيني بدقائق قليلة أعلنت هيلاري كلينتون رفضها للتدخل العسكري في سورية، وبعد ذلك بساعات قليلة تحدث أوباما وكرر نفس الموقف. هذه المواقف في رأيي كانت موجهة لحمد وسعود للجمهما ومنعهما من الرد بشكل هيستيري يتضمن تهديدا بالتدخل العسكري في سورية.
قناة الجزيرة علقت وقتها بشكل حاد على كلام أوباما الذي قال فيه أننا لا نريد التدخل العسكري في سورية، أما قناة العربية فعلقت في البداية عليه بشعور من الحسرة والخيبة ولكنها بعد ذلك حذفته وتجاهلته وعادت مجددا لكي تروج للتدخل العسكري في سورية. هذه الردود تظهر أن حمد وسعود كانا موضوعين في جو يقول بأن التدخل العسكري في سورية سوف يتم في نهاية المطاف، ولكن الفيتو الروسي-الصيني والتصريحات الأميركية التي تلته مباشرة أظهرت لحمد وسعود أنهما كانا ضحية خازوق كبير من أميركا قبل روسيا، وهذا ما حذرناهما منه مرارا ولكن مخلوقات بهذا الغباء لا يمكنها أن تفهم التحذير.
حاليا حمد وسعود يعيشان صدمة عدم وجود نية للتدخل العسكري في سورية. الأحمق سعود هو الذي سحب المراقبين العرب من سورية وبذلك فتح الطريق أمام السلطات السورية لاجتثاث الإرهابيين المسلحين، أما حمد فهو كان لا يريد سحب المراقبين لأن أميركا على ما يبدو كانت تطالبه بإبقائهم وعدم سحبهم.
بالنسبة لزيارة لافروف إلى دمشق فأهدافها كانت كما قلت سابقا؛ لافروف بعد الزيارة تحدث عن الدستور السوري الجديد الذي سيطرح للاستفتاء وتحدث عن تفويض الأسد لنائبه بالحوار مع المعارضة وفق المبادرة العربية القديمة التي تنص على الحوار.
لا صحة لما أورده موقع دبكا الإسرائيي وغيره من وسائل الإعلام الغربية عن وجود خلافات بين لافروف والأسد. هذه مجرد محاولات سخيفة للتأثير على الرأي العام وإضعاف صورة الحلف السوري-الروسي، وموقع دبكا بالمناسبة اعترف بأن مصدر معلوماته عن الخلاف المزعوم هو “مصادر استخباراتية غربية” (أي وزارة الخارجية الأميركية).
من الواضح أن هناك تنسيقا تاما بين سورية وروسيا وأن سورية حاليا لا تقوم بأي تصرف مهما كان صغيرا إلا بتنسيق مسبق مع روسيا. وأنا شخصيا أرى أن العمليات العسكرية السورية الأخيرة (التي توصف في الإعلام السوري باسم “الحسم”) تمت أيضا بتنسيق كامل مع روسيا وهناك عدة مؤشرات تدل على ذلك ولكنني لا أريد الحديث في هذا الموضوع.
بالنسبة للحديث عن إعادة المراقبين العرب إلى سورية فأنا لا أظن أن سورية سوف تسمح بعودتهم بنفس الشروط السابقة التي كانت عبارة عن مهزلة. المراقبون في المرة الماضية جاؤوا تحت شعار التمهيد للحوار، ولكن ما حدث هو أن وجودهم لم يمهد للحوار وإنما في الواقع تم استغلاله لبسط سيطرة الإرهابيين المسلحين على الأراضي السورية. لا أظن أن سورية سوف تقبل بتكرار هذا السيناريو المهزلة مجددا إلا إذا كانت الحكومة السورية فاقدة لعقلها.
إذا كان المراقبون سيأتون مجددا فالمفترض أن سورية ستشترط هذه المرة أن يكون قدومهم بعد بدء الحوار، أو على الأقل بعد تحديد موعد بدء الحوار. أيضا يجب تعديل البروتوكول بحيث ينص بوضوح على أن محاربة الإرهابيين لا دخل لها بعمل المراقبين. أما قدوم المراقبين بدون تحديد موعد للحوار وبدون تحديد موقفهم من الإرهابيين المسلحين فهذه سوف تكون في رأيي خطيئة رهيبة ومميتة.
لا بد للجامعة العربية أن تعلن موقفها بوضوح من الإرهابيين المسلحين ومن قضية الحوار في سورية وإلا فإنها لن تكون وسيطا صالحا لرعاية الحل في سورية. أنا أستمع في الآونة الأخيرة إلى تصريحات المعتوه نبيل العربي وهذه التصريحات تظهر أنه لا يعترف بوجود الإرهابيين ولا يؤمن بالحوار… إذن كيف يكون مثل هذا الشخص وسيطا للحل في سورية؟
الجامعة العربية لا تصلح إطلاقا كوسيط لحل الأزمة في سورية، وإذا كانت سورية ستقبل بعودة الجامعة العربية إلى حل الأزمة السورية بدون أن تعدل الجامعة موقفها فهذا يعني أن قبول سورية لعودة الجامعة العربية هو مجرد مناورة سياسية بالاتفاق مع روسيا وليس نابعا عن قناعة بدور الجامعة، بمعنى أن عودة الجامعة العربية إلى الأزمة السورية لن تسهم بحلها سلميا.
الحل السلمي لأية أزمة يتطلب وسيطا نزيها، أما وسيط متآمر كالجامعة العربية فهو لا يمكنه حل الأزمة. إذا كانت الجامعة العربية هي من سيتولى حل الأزمة السورية في المرحلة المقبلة فهذا يعني أنه لن يكون هناك حل سلمي وأن الحل الأمني سيستمر.
عموما مواقف أتباع أميركا لا تظهر أنهم يبحثون عن حل سلمي. في حال قبلوا بإعادة المراقبين إلى سورية فسبب ذلك هو أنهم يريدون حماية الإرهابيين المسلحين وليس أي شيء آخر.
لا يوجد لدى أتباع أميركا أية خطة أو أفق. كل ما لديهم هو اجترار لنفس التكتيكات القديمة الفاشلة. قبل أيام أعلن الإرهابيون في حمص عن إطلاق سراح الإيرانيين المحتجزين لديهم بعد وساطة تركية. هذه كانت رسالة مباشرة من تركيا إلى إيران تقول تركيا فيها أنها لا تريد العدواة مع إيران وأن سقوط النظام السوري لا يعني أن سورية ستتحول إلى عدو لإيران لأن النفوذ التركي في سورية سوف يمنع ذلك.
هذا هو هدف تركيا طوال الفترة الماضية، ألا وهو إقناع إيران بأن سقوط النظام السوري لن يضر إيران (وهو نفس الهدف الأميركي أيضا). بالإضافة إلى إطلاق سراح الإيرانيين في سورية يجب أن نلاحظ أيضا أن التفجيرات الطائفية في العراق توقفت في الآونة الأخيرة وأن قائمة “العراقية” التي يتزعمها إياد علاوي أعلنت قبل أيام عن عودتها للمشاركة في حكومة المالكي بدون شروط. هذه أيضا رسائل حسن نية من تركيا وأميركا تجاه إيران.
رسائل حسن النية الأميركية تجاه إيران كانت كثيرة في الأشهر الماضية وأنا تحدثت عنها سابقا:
- في لبنان
أميركا أوقفت محكمة الحريري وأمرت “14 آذار” بإيقاف حملتهم الشعواء ضد نجيب ميقاتي وسلاح حزب الله، وأيضا من تابع الإعلام الأميركي في الأشهر الماضية يجد تركيزا شديدا على فكرة أن سقوط النظام السوري لن ينهي حزب الله.
- في العراق
الانسحاب الأميركي السلمي من العراق وتسليم أميركا العراق لإيران على طبق من ذهب.
- في الخليج
الرسائل المكثفة التي جرى تبادلها مؤخرا بين أميركا وإيران حول الخليج والتي أسفرت عن إنهاء أزمة مضيق هرمز حيث أن إيران سحبت تهديداتها بإغلاق المضيق وسمحت للسفن الأميركية بالدخول عبره بسلام، وهذا يعني أن هناك صفقة ما تم التوصل إليها بين الجانبين حول الموضوع، وهذه الصفقة حتما ترضي إيران.
- في الموضوع النووي
أميركا أرسلت رسائل صريحة لإيران تقول فيها بأنها لا تريد الحرب أبدا، وهناك أيضا الموقف التركي الذي سوف يساعد إيران على تجاوز آثار العقوبات الجديدة. أيضا يجب أن نلاحظ أن العقوبات الأوروبية تم تأجيلها إلى شهر تموز.
لو نظرنا في كل المجالات نجد أن أميركا وأتباعها يسعون لإرضاء إيران بشتى الوسائل، والاستثناء الوحيد لهذا الأمر هو المجال السوري.
في الأشهر الأولى للأزمة السورية كانت هناك تهدئة أميركية كبيرة تجاه إيران، ثم بعد ذلك صعّدت أميركا فجأة عندما تحدثت عن قصة السفير السعودي وفرض العقوبات، ثم بعد ذلك عادت أميركا مجددا إلى التهدئة.
الآن أميركا تحاول أن تطبق نفس السياسة مع روسيا حيث أنها في البداية حاولت اجتذاب روسيا ودفعت أتباعها الأتراك والخليجيين للانفتاح عليها وإغرائها بالصفقات النفطية والغازية، وعندما يأست أميركا من روسيا دفعت أتباعها الخليجيين للصدام معها في مجلس الأمن ودفعت الأتراك للاتصال بروسيا دبلوماسيا والضغط عليها إعلاميا كما شاهدنا في اليومين الأخيرين.
أيضا يجب أن نولي انتباها إلى السياسة الأميركية الجديدة التي تحاول اجتذاب الأقليات السورية بعيدا عن النظام. أنا لاحظت في الفترة الأخيرة أن قناة العربية لم تعد تستضيف أي متحدث باسم “المعارضة السورية” إلا إذا كان علويا أو مسيحيا بشكل حصري. كل من ظهروا على قناة العربية في الأيام الماضية هم إما علويون (منذر ماخوس ووحيد صقر) أو مسيحيون (جورج صبرا وفايز سارة وغيرهم من أهل الذمة). أيضا أنا بصراحة لم أعد أر العرعور على شاشة التلفاز ولا أدري إن كان ذلك بسبب اختفائه هو أم بسبب اختفاء القنوات التي يظهر عليها من جهاز الريسيفر لدي.
إذن أميركا ما زالت تركز كل جهدها على ناحيتين: عزل بشار الأسد عن أنصاره المحليين والدوليين وتدمير الاقتصاد السوري. أما موضوع التدخل العسكري الخارجي فهذا وهم أقنعت أميركا أتباعها به لكي تستفيد منهم كأدوات ودروع بشرية. أيضا القرار الأخير في مجلس الأمن أميركا لم تكن تريده فعليا لأنه لا ينص على عقوبات ولكنها استفادت منه لإيجاد صدام بين أتباعها وروسيا. أميركا تعمل الآن عن بعد وتستخدم أدوات محلية لإيذاء سورية وحلفائها ولكنها لن تورط نفسها بشكل مباشر في الصراع أبدا. هذه هي العقيدة الأميركية الجديدة التي تعتمد على الحروب الذكية عن بعد وبدون أي تورط أميركي مباشر. أميركا الآن غير قادرة وغير راغبة على التورط في الشأن السوري بشكل مباشر.
أفضل رد على كل الخطط الأميركية “الذكية” هو باجتثاث الإرهابيين المسلحين تماما من الأراضي السورية، وهذا ما أعتقد أنه يتم الآن بقرار سوري-روسي مشترك. أنا أظن أن روسيا سوف تنسق مع سورية في المرحلة المقبلة لمواجهة أية تهديدات أمنية ومخابراتية محتملة.
ما أورده موقع دبكا الإسرائيلي عن وجود قوات قطرية وبريطانية وتركية تقاتل مع الإرهابيين في حمص هو مجرد خزعبلات هدفها إظهار سورية بمظهر الضعف، وهذا هو أيضا هدف تصريح وزير الخارجية التركي بالأمس عن الزبداني، وهو أيضا هدف التصريحات الأميركية عن أن النظام السوري فاقد للسيطرة.
العملية الأمنية السورية الأخيرة أظهرت أن النظام السوري غير فاقد للسيطرة، وأنا لا أظن أن هناك أي جندي أجنبي على الأراضي السورية ولا أظن أيضا أن أميركا وأتباعها قادرون على القيام بأية عملية أمنية كبيرة داخل الأراضي السورية. صحيح أنهم نجحوا بتفجير بضعة سيارات مفخخة في دمشق ولكن هذه الظاهرة سوف تنتهي قريبا بعد أن يتم اجتثاث المسلحين. إذا تم اجتثاث المسلحين من حمص وكامل سورية فإن أميركا وأتباعها سيفقدون كل شيء ولن يتمكنوا من القيام بأية عملية تذكر داخل سورية.
مجيء رئيس المخابرات الروسية إلى دمشق مع لافروف هو بحد ذاته ضمانة على أن خزعبلات موقع دبكا وأشباهه لن تجد لها مكانا في الواقع.

View Original